إيمان القلوب    


تغذيات RSS

المقالات
الزهد والرقائق
بلسم الروح.. كلمات لقلوبٍ حائرة
بلسم الروح.. كلمات لقلوبٍ حائرة
01-22-2014 04:01 PM

إن القلوب إذا امتد بها الزمان بدون جلاء صدأت و أظلمت و قست، و أصبحت قلوباً متصحرة ميتة، كتلك الخطب الميتة التي نسمعها أحياناً يوم الجمعة، لا تحيي قلباً و لا توقظ روحاً!!.

و القلوب الميتة لا تتألم.. لا لفوات طاعة، و لا لضياع فرصة لعمل الخير. يقول محمد الحجار: (إن المسلم اليوم لم يفقد العلم، و لم يفقد المال.. بمثل ما فقد القلب الحي الولوع، و القلب الحنون، و القلب المشرق العامر بالإيمان، والقلب النابض، القلب الذي يتحرّق على خسارة الروح وفقد الضمير، أكثر مما يتحرّق على خسارة التصدير والتوريـد).

فأنّى لروح قلقة و قلب ميت، أن يخشع في الصلاة أو أن يستشعر حلاوتها؟ فصاحب هذا القلب يؤدي حركات الصلاة و ينطق بأدعيتها، و لكن قلبه لا يعيش معها و لا يعيش بها، و روحه لا تستحضر حقيقة الصلاة و حقيقة ما فيها من قراءات و دعوات و تسبيحات!. و أما أصحاب القلوب الحية فيقول الله تعالى عنهم: ﴿الّذينَ هُمْ في صلاتِهـِمْ خَـٰشِعـونَ﴾.{المؤمنون:2}.

يقول سيد قطب: (تستشعر قلوبهم رهبة الموقف في الصلاة بين يدي الله، فتسكن و تخشع، فيسري الخشوع منها إلى الجوارح و الملامح و الحركات، و يغشى أرواحَهم جلالُ الله في حضرته، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل، و لا تشتغل بسواه و هم مستغرقون بالشعور به، مشغولون بنجواه و يتوارى عن حسهم في تلك الحضرة القدسية كل ما حولهم و كل ما بهم.. و يتطهر وجدانهم من كل دنس، و عندئذ تجد الروح الحائرة طريقها و يعرف القلب الموحش مثواه.. و عندئذ تتضاءل القيم و الأشياء و الأشخاص إلا ما يتصل منها بالله).

إن القلوب الحية قلوب موصولة بالله، و يسير أصحابها وفق منهج الله، بلا تخبط أو قلق أو حيرة، كما تحيا البشرية الضالة النكدة في عذاب، فعلى الرغم من جميع الانتصارات العلمية، و جميع التسهيلات الحضارية المادية، إلا أنها تعاني من خواء مرير؛ خواء الروح من الحقيقة التي لا تطيق فطرتها أن تصبر عليها.. حقيقة الإيمان و خواء حياتها من المنهج الإلهي.. إنهم لا يجدون أنفسهم لأنهم لا يجدون غاية وجودهم الحقيقية، و لا يجدون سعادتهم لأنهم لا يجدون المنهج الإلهي، و لا يجدون طمأنينتهم لأنهم لا يعرفون الله.

فلا مناص للإنسان حين يبتغي سعادته و راحته و طمأنينة بالِه و صلاح حاله من الرجوع إلى منهج الله، عندها يفتح الله بصيرته على استقامة الطريق، و يهديه إلى الخير بوحي من حساسية الضمير و تقواه.

و القلب الموصول بالله دائم الذكر لله، في كل بقعة و في كل أوان، و من ثم يظل هذا القلب مفتوحاً يقظاً حساساً، فكل ما حوله يذكره بتسبيح الله و حمده.

و هو قلب ينعم بالسكينة، و السكينة حين ينزلها الله في قلب، تكون طمأنينة و راحة، و يقيناً و ثقة، و وقاراً و ثباتاً و استسلاماً و رضاً بقضاء الله، و الانسان إذا اطمأن إلى أن اختيار الله أفضلُ من اختياره، و أرحم له و أعود عليه بالخير، استراح و سكن، و لكن هذا منة من الله و فضل يعطيه من يشاء.. يقول سيد قطب: (السكينة الوقورة كالتقوى المتحرجة المتواضعة، كلتاهما تليق بالقلب المؤمن الموصول بربه، الساكن بهذه الصلة، المطمئن بما فيها من ثقة، المراقب لربه في كل خالجة و كل حركة).

و القلب إذا سكن عند ربه، زهد صاحبه في هذه الدنيا، و انطلق من همومها و شواغلها و ارتفع عن حاجاتها، فحلقت روحه في آفاق الرضا و التسبيح و الحمد و السلام.. تلك الآفاق اللائقة بكمال الإنسان.

إن أصحاب القلوب الحية الموصولة بالله، هم وحدهم الذين تجد أرواحُهم الأنسَ بالله في جوف الليل إذ الناس نيام، و الكون ساكن يسبح.. يقول سيد قطب: (إن قيام الليل و الناس نيام، و الانقطاع عن غبش الحياة اليومية و سفسافها، و الاتصال بالله، و تلقي فيضه و نوره و الأنس بالوحدة معه و الخلوة إليه، و ترتيل القرآن و الكون ساكن و استقبال إشعاعاته و إيحاءاته و إيقاعاته في الليل الساجي.. إن هذا كله هو الزاد لاحتمال العبء الباهظ و الجهد المرير الذي ينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل! و ينير القلب في الطريق الشاق الطويل، و يعصمه من وسوسة الشيطان، و من التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير).

قال الفضيل بن عياض: (أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة، إنما هو على الجنب، فإذا تحرك قال: ليس هذا لكِ، قومي خذي حظك من الآخـرة).

و هم وحدهم الذين تحلق أرواحهم في عالم الود و الألفة و الحب في الله و لله، بعد أن خالطت حلاوة الإيمان قلوبَهم. يقول سيد قطب: (إن هذه العقيدة عجيبة فعلاً.. إنها حين تخالط القلوب تستحيل إلى مزاج من الحب و الألفة و مودات القلوب التي ترقق حواشيها و تندي جفافها و تربط بينها برباط وثيق عميق رفيق، فإذا نظرة العين و لمسة اليد و نطق الجارحة و خفقة القلب، ترانيم من التعارف و التعاطف و الولاء و التناصر و السماحة و الهوادة، لا يعرف سرها إلا من ألّف بين هذه القلوب، و لا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب.. و هذه العقيدة تهتف للبشرية بنداء الحب في الله، و توقع على أوتارها ألحان الخلوص له و الالتقاء عليه).

يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: "إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء و لا شهداء، يغبطهم الأنبياء و الشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى. قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، و لا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور و إنهم على نور.. لا يخافون إذا خاف الناس، و لا يحزنون إذا حزن الناس" [صحيح، الألباني – صحيح أبي داود: 3527].

إن هؤلاء قد أنعم الله عليهم برزق وافر.. رزق الأرواح و السرائر، فكما أن للأبدان رزقاً، فللقلوب و الأرواح كذلك رزق. قال الإمام ابن تيمية: (و كما أن لله ملائكة موكلة بالسحاب و المطر، فله ملائكة موكلة بالهدى و العلم، هذا رزق القلوب و قوتها و هذا رزق الأجساد و قوتها). و لكن شتان بين الرزقين، رزق يشد الجسم إلى الأرض، و رزق يحلق بالروح إلى الأعلى.

و إن قلباً قد أوتي حظاً وافراً من الأرزاق التي ذكرنا، لهو قلب طاهر مُنَوَّر، يميز بين الحق و الباطل، كما قال في الحديث النبوي: "البر ما سكنت إليه النفس، و اطمأن إليه القلب، و الإثم ما لم تسكن إليه النفس، و لم يطمئن إليه القلب، و إن أفتاك المُفتون" [صحيح، الألباني – صحيح الجامع: 2881].

هذا في قلب طاهر منوَّر واقف عند حدود الشرع، يفيض عليه النور من مشكاة النبوة، فهو كأنه مرآة مجلوَّة، فصاحب مثل هذا القلب يرجع إلى قلبه في الشبهات، و هو الذي يميز بين الحق و الباطل، و بين الخير و الشر.

و لكن لا يأس من قلب خمد و جمد و قسا و تبلد، فإنه يمكن أن تدب فيه الحياة، و أن يشرق فيه النور، فالله يحيي الأرض بعد موتها فتنبض بالحياة، و تزخر بالنبت و الزهر و الثمار، و كذلك القلوب حين يشاء الله.. يقول سيد قطب: (إن هذا القلب البشري سريع التقلب، سريع النسيان و هو يشف و يشرق فيفيض بالنور و يرف كالشعاع، فإذا طال عليه الأمد بلا تذكير و لا تذكر تبلد و قسا، و انطمست إشراقته، و أظلم و أعتم! فلا بد من تذكير هذا القلب حتى يذكر و يخشع، و لا بد من الطرق عليه حتى يرق و يشف، و لا بد من اليقظة الدائمة كي لا يصيبه التبلد و القساوة).

اللهم اغسل قلوبنا بماء اليقين، و أثلج صدورنا بسكينة المؤمنين، و اجعل ألسنتنا تلهج بالذكر مع الذاكرين.. اللهم آمين، و الحمد لله رب العالمين.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1254


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في twitter
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في linkedin
  • أضف محتوى في yahoo
  • أضف محتوى في live
  • أضف محتوى في myspace
  • أضف محتوى في friendfeed
  • أضف محتوى في reddit
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon


لبنى شرف/ الأردن
تقييم
4.68/10 (282 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر مشاهدةً/ق

الافضل تقييماً/ق

الاكثر اهداءً/ق

الاكثر تفاعلاً/ق

الاكثر ترشيحاً/ق

الاكثر مشاهدةً/ش

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.