إيمان القلوب    


تغذيات RSS

المقالات
قضايا معاصرة
الدولة المدنية
الدولة المدنية
06-10-2011 06:22 AM

["20 90"]
ما هى الدولة المدنية ؟ وهل المقابل للدولة المدنية هو الدولة الدينية ؟؟

أريد أن آخذَ بيدك إلى الحقيقة كما هى، أُريدُ أنْ أكشفَ لك الخداع و أُزيلَ عن الحقيقة كلَ قناع ؛ فالناسُ أمام الحق والحقيقة أصنافٌ ؛ فمنهم من يزهدُ فيها نظيرَ ثمنٍ مهما غلا و علا فهو قليل ، و منهم من يَلْبسُ الحقَ بالباطل كى يُضلَ عن الحق كلَ باحثٍ و ناظر ، و منهم من يكتمُ الحقيقة من الأساس كى لا يعرفَها أحدٌ من الناس و اقرأ معى قوله تعالى { و آمنوا بما أنزلتُ مصدقاً لما معكم و لا تكونوا أولَ كافرٍ به و لا تشتروا بآياتى ثمناً قليلاً وإياىَ فاتقون* و لا تَلْبسوا الحقَ بالباطل و تكتموا الحقَ و أنتم تعلمون } (البقرة 41-42 ).

أُريدُ من كل مسلمٍ أنْ يكُونَ ذا عقلٍ نقدىٍ تحليلى ؛ إذا عُرضَ عليه أىُ أمرٍ يُحللهُ و يُغربلُه كى يَفْصلَ أصيلَهُ عن دخيله و عندئذٍ يُؤْتى الحكمةَ و فصلَ الخطاب ؛ أمرٌ بسيطٌ ، دولةٌ مدنيةٌ أم دولةٌ دينية ؟! ما تكلمَ فى هذا الأمر أحدٌ بما يكفى و يشفى ؛ ولْتَعْلَمْ أخى المسلم أن البشرَ فى هذه الحياة لا بُد أن يعيشوا مجتمعين فالاجتماعُ من بَدَهيات هذه الحياة ولأن البشرَ مُتنوعو الرغبات و الأهواء فلا بُد لهم من التصادم والتنافس و التحاسد و التقاتل ولذلك فهم مُحتاجونَ إلى عاصمٍ يعْصمهم من البغى والعدوان ؛ وهذا العاصمُ له طريقان ، أما الطريقُ الأولى فهو أن يرتقىَ كلُ إنسانٍ بخُلُقه و نفسه حتى لا يعتدىَ على غيره و لا يكونُ هناك حاكمٌ عليهم بل يكونُ الحاكمُ عليهم من داخل أنفسهم ، من أخلاقهم العالية التى أُشْربَتْها أنفسُهم ؛ و يُسمون السياسةَ التى ترتقى بأخلاق الناس بالسياسة المدنية و الدولةَ التى تتكونُ من هذه النوعية من البشر بالدولة المدنية ويُسميها الفلاسفةُ بالمدينة الفاضلة ، و أنت ترى أن هذه دولةٌ خياليةٌ افتراضيةٌ لا وجودَ لها فى واقع الناس المُعَاش ؛ وفى مُقَابل هذه الدولة المدنية تُوجَدُ الدولةُ القانونية ، و الدولة القانونية هى التى يكونُ عليها حاكمٌ منهم يحكمهم بقانون , و هذا القانون إما أن يكونَ من الشرع أو من العقل ؛ والشرعُ فيه سعادة الدنيا والآخرة ، و العقلُ قدْ يهتدى فى بعض أُمور الدنيا و يَضلُ فى كل أمور الآخرة .

فالدولةُ القانونيةُ إذن قد تكونُ شرعيةً و قد تكونُ عقليةً ؛ وبقىَ لنا أن ننظرَ نظرةً أُخرى فى هذه الدولة القانونية بنوعيها ، فإذا كان الصالحُ العامُ هو الهدف كانت الدولةُ عادلةً و إنْ كانت كافرةً ، و إذا كان صالحُ الحكام هو الهدف كانت الدولةُ ظالمةً وإن كانت مؤمنةً ؛ وقديماً قال فقيهٌ من كبار فقهائنا :- إن اللهَ يُقيمُ الدولةَ العادلةَ و إن كانت كافرةً , و لا يُقيمُ الدولة الظالمةَ و إن كانت مؤمنةً .

إنى لأحْسَبُك الآن على بينةٍ مما ذكرتُ لك و أُجْملُه لك و أقول : لا وجودَ لشئٍ اسمه الدولة الدينية ، و لا وجودَ لشئٍ اسمه الدولة المدنية ؛ وقد أوضحنا لك من قبلُ أنها دولةٌ خياليةٌ افتراضيةٌ ؛ وإذا أردتَ أن تضعَ تعريفاً لأية دولةٍ فى الماضى و الحاضر و المستقبل فانظرْ نظرةً كليةً فإذا كان المجتمعُ قدْ تمدّنَ أفرادُه و تحّضَّروا و يعيشون بآدابٍ قدْ سَمَتْ بأنفسهم و أخلاقهم و لا يحتاجون إلى حاكمٍ أو قانونٍ فهذه دولةٌ مدنيةٌ و هى المدينةُ الفاضلةُ عند الحكماء , و هى دولةٌ تُوجدُ فى الأذهان لا فى الأعيان ؛ أما إذا تركتَ الخيالَ و نظرتَ إلى واقع الناس المُعَاش فستجدُ الناسَ يعيشون فى مجتمعٍ , وعليهم حاكمٌ يحكمهم بقانونٍ ؛ و النظرةُ التاليةُ أن تنظرَ فى هذا القانون فإذا كان مُسْتَمدَّاً من شرع السماء فهى دولةٌ شرعيةٌ , و إن كان هذا القانونُ نابعاً من عقول البشر فهى دولةٌ عقليةٌ ؛ أما النظرة الأخيرة فهى أن تنظرَ هل الهدفُ هو الصالح العامُ أم الهدفُ هو صالحُ الحكام ؟ فإذا كان الصالحُ العام هو الهدف فهى دولةٌ عادلةٌ , و إن كان صالحُ الحكام هو الهدف فهى دولةٌ ظالمةٌ ؛ و اللهُ لا يقيمُ الدولةَ الظالمةَ و إن كانت تحكم بشرع السماء ،
" إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ تركوه ، و إذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ ".

فإذا سألتَ عن توصيف الدولة التى كان يحكمها رجالُ الدين فى أوربا فى العصور الوسطى ، قُلنا لك : إنها دولةٌ قانونيةٌ عقليةٌ ظالمةٌ ؛ وإنما قلنا لك إنها عقلية لأن المسيحيةَ ليس فيها شرائعُ تحكمُ العلاقات بين الناس ، وإنما هى آدابٌ ترتقى بالأخلاق .

و إذا سألتُكَ أنا عن توصيفك للدولة على عهد الخلفاء الراشدين فأرجو أن تجيبَ من فَوْركَ و تقول : إنها دولةٌ قانونيةٌ شرعيةٌ عادلةٌ .

فإذا سألتَنى بدورك عن الدول التى جاءت بعد عصر الراشدين ، فسأقولُ إنها دولٌ قانونيةٌ شرعيةٌ ، فى أغلب الأحيان ظالمةٌ و فى أحيانٍ قليلةٍ عادلةٌ .

إنى لأتمنى أن يقولَ لى شابٌ مسلمٌ ألمعىُّ العقل ذكىُّ الفؤاد : لى عليك اعتراضٌ فلقد ذكرتَ أن الدولةَ المدنيةَ التى تحكمها الآدابُ العامةُ و التى ترتقى بأخلاق أهلها دولةٌ خياليةٌ لا وجودَ لها ؛ واعتراضى أن الإسلام قد أقام هذه الدولة بما بثَّه فى نفوس أتباعه من أخلاقٍ لا تدانيها أخلاقٌ من الشرف و الأمانة و الحفاظ على المال العام والخاص وإتقان العمل و أن يُحبَ الإنسانُ لغيره ما يُحبُه لنفسه ، فكادت الجرائمُ أن تنعدمَ بين أتباعه ومن حادَ منهم عن جادة الصواب فقد وضع له الإسلامُ من العقاب ما يردَعُهُ و يردعُ أمثالَه عن اقتراف الإثم و العدوان ، و من لم يرتدع بالقرآن ردعتْه عصا السلطان و اللهُ يزعُ بالسلطان ما لا يزعُ بالقرآن { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد } (الحديد 25 ) و أنا أرى أن الدولة المدنية التى كانت خيالاً فى أذهان الحكماء لا وجودَ لها إلا فى الإسلام حتى لَيقولَ المسلمُ كما قال ابن آدمَ الأولُ { لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك إنى أخاف اللهَ ربَ العالمين } (المائدة28) فالدولة فى الإسلام دولةٌ مدنيةٌ قانونيةٌ شرعيةٌ عادلةٌ ، فالإسلامُ قد احتوى على كل الفضائل وعلى كل أنواع المحاسن ، وهذا هو اعتراضى الوحيد على ما ذكرتَ من وصف العهد الرشيد السعيد!فلقد وصفتَه بأنه قانونىٌ شرعىٌ عادل ، وغفلتَ عن وصفه بأنه أيضاً مدنىٌ و هو ما يمتاز به الإسلام عن كل ما عداه و من عجائب الدنيا أن يرميَه أعداؤه بما هو منه برئ و يُرددُ كلامَهم طائفةٌ من المسلمين بل وللأسف طائفةٌ من أخلص العاملين لعودة الإسلام لعزه و مجده ، هذا هو اعتراضى يا صديقى .

أقولُ رداً على ما قيل : صدقتَ و أصبتَ وأفدتَ و أنا أعرفُ ما ذكرتَ ولا أُنكره ولكنى تركتُه لك لتستنتجَه استنتاجا ولكى أُعوّدُّكَ على التفكير و التحليل فهدفى من كل ما أكتبُ أن أُحْيىَ الفريضةَ الغائبة ؛ فريضة التفكير وهذه مقالاتى بين يديك فاقرأها إن شئتَ .

و ألمحُ بخيالى طفلاً لم يبلغْ الحُلُمَ يشعُ الذكاءُ من عينيه و هو يقولُ : لماذا إذاحكم علماءُ الدين قال الذين لايعقلون : دولةٌ دينية ! و إذا حكم العسكرُ قال السفهاءُ : دولةٌ عسكرية !!!
فهل إذا حكم الأطباءُ سيقولون : دولةٌ طبية !!!! وإذا حكم المهندسون سيقولون : دولةٌ هندسية !!!! و إذا حكم الاقتصاديون سيقولون : دولةٌ اقتصادية ! وإذا...و إذا...
و وجدتُنى أهربُ من إجابة هذا الطفل ولم أجدْ سوى أن أقولَ : سَلْهُمْ إن كانوا ينطقون !!!! فأنا
لا أذُبُ الطيرَ عن شجرٍ قد بلوتُ المرَ من ثمره
و أخيراً
لما رأيتُ الأمرَ أمراً مُنْكَرا
أججتُ نار قلبى و كتبتُ أسطرا
عَلَّ قومى يعقلون و يقودون الورى
وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين


د. أحمد عبدالمجيد
AFEEL.2007@YAHOO.COM

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1757


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في twitter
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في linkedin
  • أضف محتوى في yahoo
  • أضف محتوى في live
  • أضف محتوى في myspace
  • أضف محتوى في friendfeed
  • أضف محتوى في reddit
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon


د.أحمد عبدالمجيد
تقييم
2.30/10 (222 صوت)

الاكثر مشاهدةً/ق

الافضل تقييماً/ق

الاكثر اهداءً/ق

الاكثر تفاعلاً/ق

الاكثر ترشيحاً/ق

الاكثر مشاهدةً/ش

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.